واصل سوق الأمن السيبراني في السعودية نموه خلال عام 2025، ليصل
حجمه إلى نحو 16.3 مليار ريال، مدفوعًا بتزايد استثمارات الجهات الحكومية والشركات
في حماية الأنظمة والبيانات والبنية التحتية الرقمية، بالتزامن مع التوسع المتسارع
في الخدمات الإلكترونية والتحول الرقمي في المملكة.
وأظهر تقرير «أبرز المؤشرات الاقتصادية في قطاع الأمن السيبراني
بالمملكة 2026»، الصادر عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في أكتوبر، أن السوق
سجل معدل نمو سنوي مركب بلغ 10.7% خلال الفترة من 2023 إلى 2025، فيما استحوذ
القطاع الخاص على الحصة الأكبر من الإنفاق.
وبلغ إنفاق منشآت القطاع الخاص على منتجات وخدمات الأمن
السيبراني نحو 11.2 مليار ريال، ما يعادل69% من إجمالي السوق، مقابل نحو 5.1
مليارات ريال للجهات الحكومية، بحصة تبلغ 31%.
وتعكس هذه المؤشرات تنامي دور الأمن السيبراني باعتباره نشاطًا
اقتصاديًا قائمًا بذاته، يتجاوز وظيفته التقليدية المرتبطة بحماية الأنظمة
والشبكات، ليتحول إلى سوق متنامية للشركات التقنية ومقدمي الخدمات والاستشارات
والحلول المتخصصة.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت مساهمة قطاع الأمن السيبراني في الناتج
المحلي الإجمالي السعودي إلى نحو 20 مليار ريال خلال 2025، بالتزامن مع نمو عدد
العاملين في القطاع إلى أكثر من 22 ألف متخصص.
نمو متواصل للسوق
سجل سوق الأمن السيبراني السعودي توسعًا ملحوظًا خلال السنوات
الثلاث الماضية، إذ ارتفع من نحو 13.3 مليار ريال في 2023 إلى 15.2 مليار ريال في
2024، قبل أن يصل إلى 16.3 مليار ريال في 2025.
وبذلك يكون حجم الإنفاق قد زاد بنحو 3 مليارات ريال خلال عامين.
أما الارتفاع بين عامي 2024 و2025 وحدهما، فبلغ نحو 1.1 مليار
ريال، بما يعادل نموًا سنويًا يقترب من 7.2%.
ويختلف هذا النمو السنوي عن معدل النمو السنوي المركب البالغ
10.7% الذي أعلنته الهيئة، والذي يقيس تطور السوق على مدار الفترة الممتدة بين
عامي 2023 و2025.
ويرتبط هذا التوسع بزيادة اعتماد المؤسسات السعودية على الخدمات
والمنصات الرقمية والحوسبة السحابية وقواعد البيانات والأنظمة المتصلة، ما يرفع
الحاجة إلى استثمارات مستمرة لحماية الأصول الرقمية وضمان استمرارية العمليات.
كما لم يعد الإنفاق السيبراني مقتصرًا على البرمجيات وأدوات
الحماية التقليدية، بل أصبح يشمل خدمات المراقبة وإدارة التهديدات والاستجابة
للحوادث والاستشارات وحماية البيئات السحابية والتطبيقات وتأمين البنية التحتية
الرقمية.
القطاع الخاص يقود الإنفاق
تكشف بيانات 2025 عن تنامي الدور الذي تلعبه الشركات في دفع سوق
الأمن السيبراني، بعدما بلغ إنفاق القطاع الخاص نحو **11.2 مليار ريال** مقارنة
بنحو **10.3 مليارات ريال في 2024، بزيادة تقارب 900 مليون ريال خلال عام واحد.
وفي المقابل، ارتفع الإنفاق الحكومي من نحو 4.8 مليارات ريال في
2024 إلى قرابة 5.1 مليارات ريال خلال 2025.
وبذلك تجاوز إنفاق القطاع الخاص نظيره الحكومي بأكثر من الضعف،
في مؤشر على تحول الأمن السيبراني إلى عنصر أساسي في قرارات الاستثمار وإدارة
المخاطر لدى الشركات.
ويتزايد هذا الاهتمام مع توسع الخدمات الرقمية والتجارة
الإلكترونية والتطبيقات المالية والأنظمة الصناعية المتصلة بالشبكات، حيث قد تؤدي
الحوادث السيبرانية إلى تعطيل العمليات أو فقدان البيانات أو تحمل تكاليف إضافية
لاستعادة الأنظمة ومعالجة آثار الاختراقات.
ولهذا أصبحت مخصصات الأمن السيبراني جزءًا متزايد الأهمية من
الميزانيات التقنية والتشغيلية للمؤسسات.
ولا يقدم التقرير توزيعًا تفصيليًا للإنفاق بحسب القطاعات
الاقتصادية، وبالتالي لا يمكن تحديد القطاعات الأعلى إنفاقًا، سواء كانت البنوك أو
الاتصالات أو الطاقة أو غيرها، استنادًا إلى البيانات المنشورة وحدها.
ومع ذلك، فإن استحواذ القطاع الخاص على قرابة سبعة أعشار حجم
السوق يفتح مساحة واسعة أمام الشركات المتخصصة في تقديم الحلول والخدمات
السيبرانية للمؤسسات بمختلف أحجامها.
20 مليار
ريال مساهمة في الاقتصاد
لا يقتصر الأثر الاقتصادي للأمن السيبراني على حجم الإنفاق
المباشر، إذ بلغت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي نحو 20 مليار ريال خلال
2025.
وتوزعت هذه المساهمة بين نحو 9.7 مليارات ريال مساهمة مباشرة من
الشركات والجهات التي تقدم منتجات وخدمات الأمن السيبراني، وقرابة 10.3 مليارات
ريال مساهمة غير مباشرة مرتبطة بسلاسل الإمداد والأنشطة والخدمات ذات الصلة.
وتعادل المساهمة الإجمالية للقطاع نحو 0.42% من الناتج المحلي
الإجمالي السعودي، وترتفع إلى نحو 0.71% من الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية.
كما سجلت المساهمة الاقتصادية للأمن السيبراني معدل نمو سنوي
مركب بلغ13.2% خلال الفترة من 2023 إلى 2025، متجاوزة بذلك معدل نمو حجم السوق.
ومن المهم التمييز بين حجم السوق البالغ 16.3 مليار ريال والمساهمة
الاقتصادية البالغة 20 مليار ريال؛ فالأول يعبر عن إجمالي الإنفاق على المنتجات
والخدمات، بينما يقيس الثاني الأثر المباشر وغير المباشر للقطاع على الاقتصاد.
وكانت مساهمة القطاع في الناتج المحلي قد بلغت نحو 18.5 مليار
ريال خلال 2024، قبل أن ترتفع بنحو 1.5 مليار ريال في العام التالي.
أكثر من 22 ألف متخصص
تزامن توسع السوق مع نمو الطلب على الكفاءات البشرية، إذ تجاوز
عدد المتخصصين العاملين في قطاع الأمن السيبراني السعودي 22 ألف شخص في 2025،
مقارنة بنحو 21.3 ألف متخصص في 2024 و19.6 ألفًا في 2023.
وسجلت القوى العاملة في القطاع معدل نمو سنوي مركب بلغ 5.9%
خلال الفترة من 2023 إلى 2025.
ويتطلب نمو القطاع مجموعة واسعة من المهارات، تشمل تحليل
التهديدات وأمن الشبكات وحماية البيانات وأمن التطبيقات والحوسبة السحابية
والاستجابة للحوادث والتدقيق وإدارة المخاطر.
كما تتزايد حاجة الشركات إلى متخصصين قادرين على الربط بين
الجوانب التقنية والتشغيلية والمالية، في ظل تحول المخاطر السيبرانية إلى أحد
العناصر المؤثرة في استمرارية الأعمال.
ويفتح هذا النمو فرصًا متزايدة أمام خريجي التخصصات التقنية
والمهنيين الراغبين في الانتقال إلى مجالات الأمن الرقمي، بالتوازي مع الحاجة إلى
تطوير برامج التدريب والتأهيل والشهادات المهنية المتخصصة.
المرأة تمثل ثلث القوى العاملة
برزت مشاركة المرأة السعودية ضمن مؤشرات سوق العمل السيبراني،
بعدما بلغت نحو 33% من إجمالي القوى العاملة في القطاع خلال 2025، مقابل نحو 32%
في العام السابق.
وأشارت الهيئة إلى أن نسبة مشاركة المرأة في قطاع الأمن
السيبراني بالمملكة تتجاوز المعدل العالمي.
ويعكس ذلك توسع حضور المرأة السعودية في المجالات التقنية
المتقدمة، بما في ذلك حماية الأنظمة وتحليل المخاطر والبيانات والخدمات المرتبطة
بالأمن الرقمي.
كما يساهم اتساع قاعدة المشاركة في زيادة المعروض من الكفاءات
المتخصصة، وتوفير خيارات أوسع أمام المؤسسات لاستقطاب المواهب.
ومع ذلك، فإن نسبة المشاركة وحدها لا توضح توزيع العاملات بين
الوظائف الفنية والإدارية والقيادية، وهو ما يحتاج إلى بيانات أكثر تفصيلًا لتقييم
طبيعة الفرص ومسارات التطور الوظيفي داخل القطاع.
100 منتج
وخدمة ضمن السوق
يكشف التقرير كذلك عن اتساع نطاق الأنشطة داخل سوق الأمن
السيبراني السعودي، إذ صنف نحو 100 منتج وخدمة موزعة على خمسة مجالات رئيسية و25
نشاطًا تفصيليًا.
ويعكس هذا التنوع تعدد احتياجات العملاء، بدءًا من حماية
الشبكات والبيانات والتطبيقات، وصولًا إلى الخدمات المدارة والاستشارات والمراقبة
المستمرة للتهديدات وحماية البيئات السحابية.
ومن الناحية الاستثمارية، يمكن أن يوفر هذا التنوع فرصًا أمام
الشركات التقنية والناشئة لتطوير حلول متخصصة تخدم احتياجات محددة داخل السوق.
كما يمكن أن يدعم نمو الطلب تطوير منتجات وحلول محلية وزيادة
الاستثمار في القدرات البحثية والتقنية.
إلا أن البيانات المنشورة لا تتضمن توزيعًا للإيرادات بحسب فئات
المنتجات والخدمات، ولذلك لا يمكن تحديد المجالات الأعلى نموًا أو الأكثر ربحية
اعتمادًا على أرقام التقرير وحدها.
الأمن السيبراني والتحول الرقمي
يتحرك نمو سوق الأمن السيبراني بالتوازي مع التوسع المستمر في
الاقتصاد الرقمي السعودي، إذ تؤدي زيادة الاعتماد على المنصات والتطبيقات وقواعد
البيانات والخدمات الحكومية الرقمية إلى رفع الحاجة لحماية الأنظمة وضمان
استمرارها.
وتبرز أهمية الأمن السيبراني بصورة أكبر في القطاعات التي تعتمد
على المعاملات الرقمية أو البنية التحتية الحيوية، حيث يمكن أن يؤدي تعطل الأنظمة
إلى آثار تشغيلية ومالية تتجاوز الجانب التقني.
كما أن تطوير بيئة رقمية أكثر أمانًا يمثل عاملًا داعمًا
للاستثمار في التقنيات الحديثة وزيادة الثقة بالخدمات الإلكترونية.
وفي هذا السياق، تستهدف استراتيجية الحكومة الرقمية السعودية
2025–2030 تحقيق مساهمة اقتصادية تراكمية بنحو 11.4 مليار ريال، إلى جانب توفير
أكثر من 26 ألف فرصة عمل.
وتندرج هذه الأرقام ضمن مستهدفات استراتيجية الحكومة الرقمية،
ولا تمثل بصورة مباشرة وظائف أو إيرادات جديدة أعلن عنها تقرير الأمن السيبراني،
لكنها تعكس حجم البيئة الرقمية التي ينمو داخلها الطلب على خدمات الحماية والأمن.
أين تكمن الفرص الاستثمارية؟
تشير المؤشرات إلى وجود ثلاثة محركات رئيسية لنمو فرص الاستثمار
في الأمن السيبراني السعودي، تتمثل في زيادة إنفاق القطاع الخاص، واتساع الاقتصاد
الرقمي، وارتفاع الطلب على الكفاءات والخدمات المتخصصة.
فاستحواذ منشآت القطاع الخاص على 11.2 مليار ريال من حجم السوق
يعكس قاعدة طلب تجارية واسعة أمام مقدمي الحلول الأمنية.
كما أن وصول المساهمة الاقتصادية للقطاع إلى 20 مليار ريال يؤكد
أن أثره يمتد إلى قطاعات وأنشطة اقتصادية أخرى، وليس فقط إلى الشركات التقنية
المتخصصة.
وقد تشمل مجالات الاستثمار الشركات التي تقدم الخدمات الأمنية
المدارة والاستشارات، أو تطور البرمجيات والحلول المتخصصة، أو توفر أدوات مراقبة
الأنظمة واكتشاف التهديدات والاستجابة لها.
لكن نمو السوق لا يعني بالضرورة تحقيق مستويات مرتفعة من
الربحية لجميع الشركات، إذ تظل العوائد مرتبطة بطبيعة الحلول المقدمة وتكاليف
التطوير وشدة المنافسة والقدرة على اكتساب العملاء والاحتفاظ بهم.
كما أن ارتفاع الإنفاق لا يكشف بمفرده عن ربحية الشركات العاملة
في القطاع، وهو ما يتطلب الرجوع إلى بياناتها المالية بصورة مستقلة.
وبين سوق يبلغ حجمها 16.3 مليار ريال، ومساهمة اقتصادية تصل إلى
20 مليار ريال، وقوى عاملة تتجاوز 22 ألف متخصص، يتجه الأمن السيبراني إلى ترسيخ
موقعه كأحد الأنشطة المرتبطة بنمو الاقتصاد الرقمي السعودي.
ويعكس هذا المسار تحول الأمن السيبراني من وظيفة تقنية مساندة
داخل المؤسسات إلى قطاع اقتصادي متكامل يدعم الاستثمار والتوظيف والتحول الرقمي
ونمو الأنشطة غير النفطية في المملكة.
